Google search engine
الرئيسيةأحوال القلوبهمساتُ الأزل: سبع مقطوعات لرومي تكشف أسرار العشق الإلهي

همساتُ الأزل: سبع مقطوعات لرومي تكشف أسرار العشق الإلهي

تجلّيات العشق الإلهي لا تُعدّ ولا تُحصى، تظهر في زهرة تتفتّح، وطائر يشدو، وشوق عاشق يتوق. هي في هيبة الملك وتواضع الفقير، في لهيب الإخلاص بقلب الولي، وفي نشوة الراقص. حبّ الحق هو جوهر الوجود، ينسج خيوطه في كلّ شيء مخلوق. هو حبّ يتخطّى كلّ الحدود، يحتضن كل الكائنات في رحابه اللامتناهي.

في كل ركن من أركان الوجود، بحثتُ عن الحبيب، فأحياناً يظهر جلياً، وأحياناً يختفي عن الأنظار، لكن حضوره الإلهي يظل سامياً فوق كل صورة ومادة. في لحظات الإمكان والضرورة، بين الفناء والخلود، كنتُ أجد آثار ذلك الحب الأزلي الذي لا حدود له. أراد الحبيب أن يرى ذاته من خلال عيوني، فصاغني بأشكال لا تُعد، وانعكس في كل مخلوق، كالزهرة التي تتفتح فرحاً، أو كالعندليب الذي يصدح نشوةً. تجلى الحبيب في صور لا تُحصى، كشعلةٍ وفراشةٍ، أحرق نفسه في نوره الساطع. وفي صرخة الحق، واجه المحن، لكنه ظل فوق كل ثنائية، ملكًا ومتسولًا، زاهدًا ومُطلقًا. وفي هيئة العاشق، حمل قلبًا متقدًا، وروحًا مشتعلة بالعبادة. الحبيب هو الكل والعدم، هو جوهر كل وجه، وكل شوق، وكل سر من أسرار الألوهية.

 

الحب الإلهي هو جوهر الوجود، قوة سامية تتجاوز حدود العالم المادي، وتُشعل في الروح شوقًا أبديًا لا ينطفئ. هو الشعلة التي تتقد في قلوب الشعراء والعارفين، تدفعهم إلى التوجه نحو الحبيب، مصدر الجمال والحقيقة المطلقة. لقد جسّد الشعراء العظام، مثل جلال الدين الرومي، هذا السعي المقدس، معبرين عن عمق حب يتطلب التضحية بالفناء في الذات. أن تحب إلهيًا يعني أن تفني الأنا، أن تتخلص من أهواء الدنيا، وأن تخرج صافيًا كالذهب النقي من بوتقة العبادة.

هذا الحب ليس هادئًا ولا ساكنًا، بل هو قوة جبارة عاتية، تشق أغلفة المألوف وتخرق حجب الروتين، تاركة الروح عاريةً بلا حجاب. وفي هذه العراء تكمن أعظم قوتها. الشاعر يحترق لأن المحبوب هو النار والفراشة معًا، هو العاشق والمعشوق في آنٍ واحد، هو الساعي والمطلوب في نفس اللحظة. ومن خلال هذه المفارقة العجيبة، تنكسر قيود الروح، فتتجاوز حدود الزمان والمكان، وتذوب في بحر اللامتناهي.

 

مقطوعة 1:

هر لحظه به شکلی بت عیار بر آمد
دل برد و نهان شد

في كلّ لحظةٍ، تراءى الصنم الماكر بأشكالٍ شتّى،
فأسرَ القلبَ، ثمّ توارى واختفى

كطيف السراب، يتلون الحبيب ويتوهج، وكل مظهر له أشد فتنة من سابقه. نظرة واحدة تشعل في القلب شوقًا لا يرتوي. يتجلى فجأة، ويتلاشى بنفس السرعة، ثم يعود، بألوان ساحرة لا تنتهي. هذا التلاعب الدائم بين الحضور والغياب يوقد ظمأً أبديًا. وجهه المتغير باستمرار، مصدر عجب لا ينقطع، يجذب المرء إلى أعماق البحث عن حقيقته. روح الحبيب المراوغة تحول السعي إليه إلى رحلة آسرة لا حدود لها.

 

مقطوعة 2:

بمیرید بمیرید در این عشق بمیرید
در این عشق چو مردید همه روح پذیرید

مُوتوا، مُوتوا، في هذا الحبِّ مُوتوا، 
فبالفناء فيه ستتحولون إلى أرواحٍ خالدة

العشقُ يطلب استسلامًا كاملاً، فناءَ الذات لكي تستيقظ في نورِ الإلهِ. ليس هذا زوالًا، بل ولادة ثانية، تخلّص من الأنا لاحتضانِ الخلودِ. القلبُ الخالي، الممتلئُ بالحبِّ فقط، هوَ الذي يستوعب ماهية الحقِ. طريقُ الباحثِ هوَ التلاشي، الاندماجُ بضياءِ الحبِّ الذي لا ينتهي. في هذا الاستسلامِ، تجد الروحُ منزلها الحقيقي، ترتفع فوق المادة لتتحد بالوحدة الربانية.

 

مقطوعة 3:

در دل و جان خانه کردی عاقبت
هر دو را دیوانه کردی عاقبت

لقد حللتَ أخيرًا في صميم القلب والروح،
فأشعلتَ فيهما لهيبَ الهيام

لقد اتخذت من سويداء القلب وجوهر الروح مأوى أبديا، محرابًا يلتقي فيه الزائل بالباقي. حضورك، كشعلة إلهية، يستلب كل لب، مخلفًا وراءه جنونًا مقدسًا، حالة يتجاوز فيها الحب حدود المنطق ليصبح الحقيقة المطلقة. فالقلب الذي كان وعاء للأهواء الفانية، يضطرم الآن بنار لا تخبو، والروح التي كانت أسيرة قيود الدنيا، تحلق طليقة في آفاق الوله اللا متناهية. وفي هذا الاتحاد، يتبدل كلاهما، بين ضياع ووجدان، انكسار واكتمال، سكارى بنشوة حبك السرمدية.

 

مقطوعة 4:

هر که را جامه ز عشقی چاک شد
او ز حرص و عیب کلّی پاک شد

من مزّق ثيابه العشقُ،
فقد طَهُرَ تمامًا من طمعٍ وعيب

في ملكوت العشق الإلهي، يزكو القلب الذي أضناه لظى الهوى، وينفك من أسر الطمع والنقص. فالحب في جوهره الخالص، يجرد النفس من أهواء الدنيا، ويترك الروح عارية من كل ثقل. وفي هذا التعرّي، يجد المرء حريته الحقيقية، حيث تتلاشى النقائص، ويتجلى جوهر الوجود. فالحب الإلهي ليس لمسة وادعة، بل هو قوة جارفة تمزق حجاب الذات، لتكشف عن اللب النوراني الكامن فيها. ومن خلال هذا التمزق المنشود، تسمو الروح طاهرة مكتملة، لتحظى بحضن الأبدية.

 

مقطوعة 5:

ز همه خلق رمیدم ز همه بازرهیدم
نه نهانم نه پدیدم چه کنم کون و مکان را

لقد نفضتُ عني غبارَ الخَلْقِ، وتحررتُ من كُلِّ قيدٍ،
فلا أنا بمُختفٍ ولا أنا بظاهرٍ، فما حاجتي إذن إلى الكونِ والمكانِ؟

في مسعى الروح نحو العشق الرباني، تنأى عن صخب الدنيا، وتتخلص من كل ما يقيدها. تتوق إلى مقام يتجاوز حدود الخفاء والظهور، حيث تذوب الذات في اللامحدود. في هذا الوصال المقدس، تتلاشى معاني الزمان والمكان، إذ يعيش المحب في عالم خارج نطاق الكون المادي. هنالك، لا حاجة للتستر أو التجلي، ولا اكتراث بحدود الوجود. الروح، وقد تحررت من كل قيد، تنصهر في الأزل، لتعثر على مأواها النهائي في كنف الرب.

 

مقطوعة 6:

من غلام قمرم، غیر قمر هیچ مگو
پیش من جز سخن شمع و شکر هیچ مگو

أنا عبدٌ للقمر، فلا تَنطق بغيرِ القمر،
ولا تُحدثني إلا عن الشَّمعة والسُّكر

في فضاء العشق الإلهي، يذوب القلب كليًا، ليصبح عبدًا عاشقًا للمحبوب المتلألئ، الذي يرمز إليه القمر. لا يطلب إلا نقاء ذلك النور، تاركًا كل ما يحجب حقيقته المضيئة. يجب أن تحمل الكلمات المنطوقة حلاوة السكر ودفء ضوء الشمعة، فمثل هذه الكلمات وحدها تعكس جوهر ذلك الاتصال القدسي. هنا، تجد الروح مرادها في العبادة، معرضة عن كل ما هو دنيوي وعابر. في هذا التفاني، لا مكان إلا للجمال والنور والحلاوة التي يجسدها المحبوب.

 

مقطوعة 7:

سخن رنج مگو، جز سخن گنج مگو
ور از این بی‌خبری رنج مبر، هیچ مگو

لا تتحدث عن العناء، بل تحدث عن الكنوز،
وإن كنت تجهل هذا، فلا تتكلم بشيء

في رحلة الحب الإلهي، لا تبتغي الروح سوى كنوز القلب، منصرفة عن لغة الألم والحزن. هو طريق يجب أن تحمل فيه الكلمات ثقل الذهب، مشرقة بثراء الوصال وجمال الوجود. إن التحدث عن المعاناة هو الابتعاد عن جوهر هذا الرباط المقدس. وإن لم يفهم المرء هذه الحقيقة، فالصمت خير، فالصمت يحفظ قدسية الرحلة. الحب الإلهي يزدهر في نور الفرح والوفرة، ولا يسلك طريقه صدقًا إلا من اغتنم كنوزه.

 

الحبُّ الإلهيُّ هو الخيط الأزليُّ الذي ينسج نسيج الوجود، قوةٌ تتجاوز الزمان والمكان والشكل. هو الهمس الصامت في قلب الساعي، النور المشعُّ الذي يُضيءُ درب الروح. في حضرتهِ، يذوب الفاني في اللانهائيِّ، وتُولَدُ الذاتُ من جديد في لهيب التعبد. هذا الحبُّ ليس مقيدًا بقيود العالم المادي، بل هو محيط لا حدود له، نارٌ مقدسةٌ تُطَهِّرُ وتُحَوِّلُ. معرفةُ الحب الإلهي هي الاستسلام الكامل، موتُ الأنا واليقظة للأزليِّ. هي رحلة الشوق والتحقيق، حيث كل لحظةٍ هي كشفٌ، وكلُّ نفسٍ دعاءٌ. والحبُّ الإلهيُّ هو جوهر كل ما هو كائنٌ، مصدرُ كلِّ جمالٍ، والحقيقة المطلقة التي تُوَحِّدُ كلَّ الكائنات في حضنها اللامتناهي.

إلى اللقاء في جزء قادم…

 

صهيب الندوي
[Email: Contact@Laahoot.com]

مجلة لاهوت العربية
للتواصل على وسائل التواصل الاجتماعي:
https://www.facebook.com/LaahootArabic

https://x.com/LaaHoot
https://www.youtube.com/@LaaHoot.Arabic

 

المصدر: هذه الأبيات من “مثنوي معنوي” و”ديوان شمس تبريزي”.

احمد صهيب الصديقي الندوي
احمد صهيب الصديقي الندوي
كاتب ومترجم من نيودلهي، الهند
مقالات ذات صلة

التعليقات

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة