Google search engine
الرئيسيةأعمالالإفلاس الأخلاقي لرأسمالية المحسوبية: بحث في الأسس الأخلاقية للاقتصاد الإسلامي العادل

الإفلاس الأخلاقي لرأسمالية المحسوبية: بحث في الأسس الأخلاقية للاقتصاد الإسلامي العادل

يقوم النظام الاقتصادي الإسلامي على مبادئ تعزِز الإنصاف والعدل والرعايةَ الاجتماعية. على عكس الاقتصادات الرأسمالية القائمة على الربح، والتي غالباً ما تُعطي الأولويةَ لتكديس الثروة على الاعتبارات الأخلاقية، يشدِّد النموذجُ الإسلاميُّ على المسؤولية المعنوية، والعدالة الاقتصادية، والاهتمام برفاهية المجتمع ككل. يَسعى هذا النموذج إلى القضاء على الاستغلال، وحظرِ الممارسات المالية غيرِ الأخلاقية، وتشجيع توزيع الثروة على نحو يُعزِّزُ الاستقرارَ الاقتصادي والوئام الاجتماعي. تتضمَّن بعض سماته الإنسانية البارزة تحريم الرِبا، ومناهضة رأسمالية المحسوبية، والسلوك التجاري الأخلاقي، وتعزيز آليات الرعاية الاجتماعية مثل الزكاة (الصدقة المفروضة)، والصدقة (الصدقة التطوعية)، والتوزيع العادل للثروة. تُنشئُ هذه المبادئ نظاماً اقتصادياً كفؤاً وعادلاً في آنٍ واحدٍ، بما يضمن أن النمو الاقتصادي لا يأتي على حسابِ القيمِ الأخلاقيةِ والمعنويةِ.

تأملوا للحظة: عندما يصبح المال هو الهدف الأسمى، فماذا عن باقي البشر؟ أيجوز أن يموت الفقير جوعًا ولا يلتفت إليه أحد؟ أيُعقل أن يتألم المريض ويفارق الحياة دون رعاية ولا يكترث به أحد؟ أيُعقل أن يموت المرء جاهلاً دون أن ينال حظاً من العلم؟ أيهون على أحد أن تزهق أرواح آلاف البشر، وكل واحد منهم يحمل في قلبه آمالا وآحلامًا لم تتحقق؟ أليس فينا من يشعر أو يُبالي؟
حتى لو كانت الأرباح تأتي من دمار العالم، من قتل الأبرياء، من تغذية العنف، لا يهم، المهم هو تدفق المال!
طالما أن المال يتدفق، فما قيمة العالم؟ ما قيمة الأطفال؟ ما قيمة الحياة؟ لا شيء!
لعل هذا الربح، الذي يُصنع من آلام البشر، هو ما يُعرف برأسمالية المحسوبية.

 

إن الرأسمالية نظام اقتصادي يقوم على ملكية الأفراد أو المؤسسات الخاصة للسلع الرأسمالية. ويتم إنتاج السلع والخدمات بهدف الربح، وذلك عبر التنافس في سوق مفتوحة. نظريًا، يُفترض أن يُحفز ذلك على الابتكار وتحسين الكفاءة، ويعود بالنفع على المجتمع من خلال تخفيض الأسعار وتحسين جودة المنتجات. لكن، هذه الصورة المثالية كثيراً ما يشوهها ما يعرف برأسمالية المحسوبية.

ورأسمالية المحسوبية وحش آخر تمامًا. فيها يمتزج السعي وراء الربح بعلاقات مشبوهة بين السلطة ورأس المال. بدل المنافسة الشريفة، يُقاس النجاح بالمعارف لا بالكفاءات. تغدو المحاباة، والصفقات المشبوهة، والتلاعب بالقوانين أدواتٍ لتحقيق المكاسب، ليراكمَ قلةٌ من الناس الثروة والنفوذ على حساب الجموع.

إن هذه العقلية التي لا ترى إلا الربح، إذا لم تحكمها ضوابط أخلاقية، فبوسعها أن تعيث فساداً في المجتمع. فالسعي المحموم وراء الربح قد يدفع المؤسسات إلى التضحية بالجودة، واستغلال قوة العمل، والاعتداء على البيئة. ويصبح الهدف الوحيد هو تحقيق أقصى عائد لفئة قليلة من حملة الأسهم، دون أدنى اعتبار لحاجات الناس أو رفاههم. فكم من صناعات مؤذية، كتلك التي تصنع مشروبات مفرطة السكر أو مواد تسبب الإدمان، تزدهر في كنف رأسمالية المحسوبية، ما دامت تحقق الأرباح، بصرف النظر عن الثمن الذي يدفعه المجتمع.

هذا يخلق واقعًا مؤلمًا، حيث يتجرع مرارة المعاناة الجمُّ الغفيرُ، لينعم بالأرباح نفر قليل. قد تُهملُ الخدماتُ الضروريةُ، وتستفحلُ الفوارقُ الطبقيةُ، وتتصدعُ الثقةُ بين الناس. لا شك أنَّ الربح عنصرٌ حيويٌّ لاقتصادٍ سليمٍ، لكنهُ لا ينبغي أن يكون المعيار الأوحد. فالأخلاق، وحياة الإنسان، والمشاعر، والإنسانية، والقيم ليست مجردَ كلماتٍ جوفاءَ، بل هي أساس المجتمع العادل والمزدهرِ. أَيحقُّ لنا، ونحن بكامل وعينا، أن نُضحي بكلِّ هذهِ القيمِ على مذبح المكاسب المادية؟ لا محالةَ أننا بحاجةٍ إلى رؤيةٍ أكثرِ اتزانًا، تُدركُ قيمةَ الربح، لكنها تضعُ في المقام الأول رفاهية جميع أفراد المجتمع.

 

يتميز النظام الاقتصادي الإسلامي بنموذج فريد، يجمع بين الكفاءة الاقتصادية والقيم الأخلاقية والاجتماعية. يختلف اختلافًا جذريًا عن الرأسمالية التقليدية، وعلى وجه الخصوص شكلها الضار المتمثل في رأسمالية المحسوبية، ويقدم بديلاً انسانيًا يقوم على أسس أخلاقية ومسؤولية مجتمعية.

يعتبر تحريم الربا من الركائز الأساسية في النظام الاقتصادي الإسلامي. يهدف هذا التحريم إلى تثبيط النشاطات المالية المشبوهة وتشجيع الاستثمار في الأصول الحقيقية والمشاريع الإنتاجية. وبدلاً من التربح من مجرد إقراض الأموال، يعتمد التمويل الإسلامي على مبادئ المشاركة في المخاطر من خلال آليات كالمضاربة والمرابحة. ويساهم ذلك في تنشيط الفعاليات الإقتصادية الحقيقية، وتحقيق النفع للمجتمع عبر خلق فرص العمل وإنتاج السلع والخدمات. كما يقلل تجنب الاعتماد المفرط على الديون من احتمالات حصول الفقاعات والأزمات المالية التي غالبا ما ترتبط بالأنظمة القائمة على الفائدة.

في مقابل رأسمالية المحسوبية، التي تزدهرُ بالتقارب بين السلطة ورأس المال، وتتغذى على الفساد والمحاباة، يقيم النظام الاقتصادي الإسلامي صرحاً شامخاً من العدل والنزاهة والشفافية. يُشجعُ على المنافسة الحرة النزيهة، ويُحاربُ الاحتكارَ والاستغلالَ، ويَخلقُ بيئةً اقتصاديةً متكافئةً للجميع. ولا يقتصر اهتمام الإسلام بالأخلاق على المعاملات التجارية فحسب، بل يشمل جميع أوجه النشاط الاقتصادي، فيمنع الغشَّ والخداعَ والاحتكارَ وكل ما يُؤدي إلى الظلم والاستغلال. ولا يُحرِّمُ الإسلامُ طلب الرزق والسعي إلى الربح، بل يُوجِّهُهُ ضمنَ ضوابط أخلاقيةٍ وإطارٍ قيميٍّ رفيعٍ. ويحثُّ الشركات على مراعاة مصالح المجتمع والبيئة، وعدم الاقتصارِ على جنيِ الأرباحِ بأيِّ وسيلةٍ.

تساهم عدةُ سماتٍ رئيسيةٍ في الطبيعة الإنسانية للنظامِ الاقتصاديِّ الإسلاميِّ. فالزكاةُ، وهي شكلٌ إلزاميٌّ من الصدقة، تلعبُ دوراً حيوياً في إعادة توزيع الثروة والتخفيف من الفقرِ. وهي تُؤمِّنُ دوران المال في المجتمع ودعم المحتاجين. كما تُعزِّزُ الصدقةُ (الصدقةُ التطوعيةُ) وأشكالُ العطاءِ الأخرى شبكات الأمان الاجتماعي وتُرسِّخُ التكافلَ المجتمعيَّ.

تعتبر الأسُس الأخلاقية حجر الزاوية في النظام الاقتصادي الإسلامي. فالأمانة، والصدق، والإنصاف هي صفات لا غنى عنها لكل المشاركين في النشاط الاقتصادي. هذا الأمر يولد جواً من الثقة والتعاون المتبادل، مما يؤدي إلى بيئة اقتصادية أكثر أمنًا ووئامًا.

ويعتبر التوزيع العادل للثروة من الأهداف الرئيسية في النظام الاقتصادي الإسلامي. وبينما يُقر بوجود قدر من التفاوت لا يمكن تجنبه، فإنه يسعى جاهداً لتقليل الفوارق بين الناس ويضمن عدم احتكار الثروة وتمركزها في أيدي قلة.

إن رأسمالية المحسوبية، بفسادها الذاتي وصفقاتها المشبوهة، تتناقض تناقضًا صارخًا مع هذه المبادئ. فالسعي وراء الربح بأي ثمن، بصرف النظر عن الاعتبارات الأخلاقية أو التأثير الاجتماعي، يؤدي إلى عدم المساواة على نطاق واسع، والاستغلال، وفي النهاية، إلى عدم الاستقرار الاقتصادي. يقدم النظام الاقتصادي الإسلامي، من خلال إعطاء الأولوية للسلوك الأخلاقي، والعدالة الاجتماعية، والنشاط الاقتصادي المسؤول، بديلاً أكثر إنسانية واستدامة، يعالج القضايا التي تخلق الكوارث الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالمحسوبية.

 

صهيب الندوي
[Email: Contact@Laahoot.com]

مجلة لاهوت العربية
للتواصل على وسائل التواصل الاجتماعي:
https://www.facebook.com/LaahootArabic

https://x.com/LaaHoot
https://www.youtube.com/@LaaHoot.Arabic

احمد صهيب الصديقي الندوي
احمد صهيب الصديقي الندوي
كاتب ومترجم من نيودلهي، الهند
مقالات ذات صلة

التعليقات

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة